محمد هادي معرفة

249

التمهيد في علوم القرآن

لكنّه كلام ليس يشبه من كلام أديب شاعر بليغ . قال الرافعي : وتلك ولا ريب فرية على المعرّي أراده بها عدوّ حاذق ، لأنّ الرجل أبصر بنفسه وبطبقة الكلام الذي يعارضه . ولأنّه هو الذي أثبت إعجاز القرآن فيما كتبه ردّا على ابن الراوندي فيما نسب إليه . قال : - بشأن إعجاز القرآن - : « وأجمع ملحد ومهتد ، وناكب عن المحجّة ومقتد ، أنّ هذا الكتاب الذي جاء به محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) كتاب بهر بالإعجاز ، ولقى عدوّه بالإرجاز ، ما حذي على مثال ، ولا أشبه غريب الأمثال ، ما هو من القصيد الموزون ، ولا الرجز من سهل وحزون ، ولا شاكل خطابة العرب ، ولا سجع الكهنة ذوي الإرب . . . وأنّ الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون ، فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق ، والزهرة البادية في جدوب ذاب نسق ، فتبارك اللّه رب العالمين » « 1 » . نعم يجوز أن يكون الكلام الآنف إنّما قاله مداعبة لا عن جدّ وعن واقعيّة أرادها . قال الخطيب : إن يكن ذلك من كلام أبي العلاء فلن يكون إلّا عن معابثة أرادها وقعد لها ، وإلّا فإنّ أبا العلاء لا يرضى بنفسه أن تنزله إلى هذا السخف في مقام الجدّ أبدا . وإنّه إذا كان أبو العلاء يتّهم في دينه ، فإنّه لا يتهم في أدبه ، وإن ذوقه للكلام وبصره بمواقع الحسن والروعة فيه يحميه من أن يزلّ أو ينزلق فيتصدّى لمعارضة القرآن ويلقي بنفسه في البحر ليكون من المغرقين . وهو الذي دأب على أن يزيّن كلامه وأدبه بما يقبس من كلمات القرآن وآياته ، فهل من يفعل ذلك يتصدّى لمعارضة القرآن ؟ ! المعرّي أعقل من هذا وأعرف الناس بمكانة القرآن ! « 2 » .

--> ( 1 ) معجم الأدباء : ج 3 ص 110 . ( 2 ) الإعجاز في دراسات السابقين : ص 504 .